ألعرض النقدي لقصة "ألجانب الاخر" للقاص الناقد محمد البنا
1) القصة:
حصواتً صغيرة تلقي بها أناملها الرقيقة ، لتصطدم بزجاج نافذة شرفتي ، كانت كافيةً لتوقظني ، لأتصفح نظراتها المشرقة ، تبتسم فابتسم ، ثم تلوّح لي بيدها الحانية مودعةً ، وهي تتوارى خلف باب شرفتها .
انتظرت بشغفٍ التحاقها بمدرستي ، لأحظى بلقائها .
اليوم رأيتها ترتدي زيًا مدرسيًا ، فتراقص قلبي فرحًا بين أضلعي ، وسارعت بإرتداء ملابسي ، بينما تصاعد النبض في شراييني يسابق أنفاسي المتلاحقة عدوًا إلى المدرسة ." منكس الرأس
كلّت عينيّ بحثًا عن وجهها المشرق بين وجوه الملتحقات حديثًا بالصف الأول ، ولم أعثر على أثرٍ لها .
عدت منكس الرأس ، أجرجر أذيال إحباطي ، سألت أمي : لم يا أماه لا تتزاورين أنتِ وصديقتك أم سارة ؟
ابتسمت ابتسامةً يشوبها مسحة حزنٍ ، وجذبتني برفقٍ من يدي ، ودلفت بي إلى شرفة غرفتي ، قالت في أسى : أترى يا صغيري هذا السياج القابع تحت شرفتك ؟
أجبتها متسائلاً : ما به يا أمي ؟
قالت وهى تقفل بي عائدةً إلى داخل غرفتي : نحن من عالم وهم من عالمٍ آخر يا ولدي ....هكذا يقول سادتنا .
لم أفهم فعاودت تساؤلي متعجبًا : أي عالم ٌ آخر ؟ ...كيف يا أمي وأنا رأيتك مرارًا تحادثينها ؟ ...وسمعتها في مراتٍ عديدة تستأذنكِ لأداء الصلاة
2) ألعرض التحليلي النقدي:
" حصوات صغيرة تلقي بها أناملها الرقيقة.." كعادته..يعطينا الكاتب محمد البنا اشارة بسيطة علينا تتبع ومضتها flash pointلنعرف من هي صاحبة الانامل الرقيقة. ويبدو انه على علا قة معها فقد تعودت على رميه بالحصا لايقاظه " ليتصفح نظراتها المشرقة.."، فهي تلوح اليه "بيده الحانية مودعة" حيث علم أنها قد سجلت بنفس مدرسته فبات ينتظر و "بشغف التحاقها" بمدرسته ليحظي بلقائها... وجاء اليوم الموعود.. أجل هاهي ترتدي " زياً مدرسياً.." يالفرحتي فهاهو قلبي يرقص " فرحاً بين أضلعي.." وهكذا ذهب عدواً الى المدرسة لتكون المفاجأة هناك عندما لم يجدها ولم يعثر " على أثر لها.." وبالتأكيد يكون الاستغراب وارداً هنا..
أجل بنت بالزي المدرسي يفترض أن تكون بالمدرسة.. أين ذهبت اذن؟ أمر محير بالتأكيد. لابد أن يعرف ما الذي حصل.. عاد منكس الرأس" وهو يجرجر " أذيال" الأحباط والألم وكان لابد له أن يسأل أمه بوله " لم يا أماه لا تتزاورين أنت وصديقتك أم ساره؟ وهنا ينكشف لنا اسم تلك الطالبة الغائبة عن الدوام بعد أن لبست زيها الرسمي وذابت وسط المجهول والحيره.. وقد أدركت الأم ميول ولدها فبانت "ابتسامة يشوبها مسحة حزن..."، لكنها قادته الى الشرفة ثم الى الغرفة لتقطع كل أمل لابنها باستمرار علاقته مع بنت الجيران " أترى يا صغيري هذا السياج القابع تحت شرفتك ؟" نحن من عالم وهم من عالم اخر ياولدي.."
وعندما نفتش عن العالم الذي يحيط بعائلة الجيران ينتابنا احساس بأننا فقدنا كل ما جمعناه من تسلسل ثيمة القصة theme ونشعر اننا لم نفهم تفاصيلها والسيناريو الذي رسم لها. وبالحقيقة نشعر ان الكاتب قد انتصر علينا وأوقعنا في فخ غير محسوب، لم نستطع الخروج منه حتى عند اعادتنا النص عدة مرات، خاصة عندما يكون سؤال الابن المشوب بالحيره وكأنه يستغرب من تصرف امه الذي بدا متناقضاً: "كيف يا أمي وأنا رأيتك مراراً تحادثينها.... وسمعتها مرات عديدة تسأذنك لاداء الصلاة" أجل يا أمي... ان كانت عائلة غير محترمه... كيف تتحدثين مع امرأة غير محترمة ؟" وكيف تكون كذلك وهي تصلي؟
ان من غرابة هذه القصة بأن ذروتها climax في نهايتها، حيث وضع المتلقي وسط حوار dialogue قصير وسلس لكنه جعله في موقع ضيق لا يحسد عليه خاصة عندما يحاول الحدس حول خلاصة أو ربما تساؤل مفتوح.. ولابد لنا أن نركز على غياب البنت من مدرستها... وهذا في الواقع يحدث كثيراً في المدارس، حيث تخرج الطالبة الى مدرستها مرتدية الزي المدرسي ، حاملة كتبها معها لكنها على موعد مع صديقها أو صديقتها وربما هروب من امتحان صعب أو عدم حبها للدراسة والمدرسة، ليكون عذرها في اليوم الثاني انها مريضة أو غيرها.. وبالتأكيد يؤدي هذا السلوك خاصة عند تكراره الى تشويه سمعة البنت ثم الارتداد لعائلتها. وكون الام تصلي وتحافظ على أوقات الصلاة لا يمنعها من الغفلة عما تقوم به ابنتها. ان هذه القصة صعقة ايجابية لتنبيه الابوين من الغفلة والا سيفاجئون بسمعة غير مرضية بسبب تصرفات الأبناء غير المحسوبة. من هنا فلابد من سماع ما " يقوله سادتنا..." وأن نري ابناءنا " السياج القابع تحت الشرفة من أجل الحفاظ على سمعة أخلاقية تنسجم مع القيم العليا التي يسير عليها المجتمع.. ان السياج، وان وجد على الواقع، استعارة رائعة وسيمياء symbol للحدود بين الفضيلة والرذيلة وهي حدود مقدسة كما وان غياب الطالبة عن المدرسة يمثل تسيبها وعدم التزامها وغياب التربية المسؤولة التي تحافظ على سمعة العائلة. ويمثل الغياب أيضاً مفتاح اللغز المحير للخاتمة، حيث نعطي الحق للأم لكن الكاتب وبذكاء شغلنا وبالحقيقة استدرجنا لسرد ذي وهج انسيابي لاحق أوصلنا الى قفلة محيره... وعساني وجدت المفتاح المناسب لها.
اللأديب القاص والناقد محمد البنا ... تحياتي..
علي البدر
ألعرض النقدي لقصة "ألجانب الاخر" للقاص الناقد محمد البنا 1) // بقلم الاستاذ القاص علي البدر
نـــوافــير للآداب والثــقافة ... رئيس مجلس الأدارة الاستاذ الشاعر علاء الدين الحمداني
أهلاً وسهلاً بك أنت الزائر رقم
النصوص الأكثر قراءة اليوم
-
لأجلك في مقهى حسن عجمي مازال حسين مردان يتقيء نحيب السياب ليخرج الجواهري معتمر دجلة فوق رأسه الشاعر أما عصى او منجل طرف ثوبك الاحمر في رأس ...
-
ـ نوابيات ـ { سيد الإياب والحضور } مثلك يرثينا ولانرثيه يامن سمّيتَ جراحَنا ....... عراقاً عراقا وراح ينزفنا ......... حرفاً جمراُ على دروب ...
-
( فوائد لغوية / الحلقة الاولى ) ................. ( قل )............... | .....................( ولاتقل ).................... 1 ـ يجب عليك ....
-
( صموت مدينة) راقية مهدي .. مدينتي ام انا الجيم ؟ صموت بلاهوادة اورحمة مسربلة بالخوف من زمانها حتى مكانها كل خطوة في ازقتها المغادرة منذ زمن...
-
أساليب البلاغة في اللغة العربية: علم البلاغة: ومعناه الفصاحة في القول والكلام, مع الحرص على إضافة الجماليات اللغوية عليهما ليساهم في زيادة ن...
-
"بغداد لن تضيع.. بغدادنا في العيون" علي البدر عُيونٌ عُيون في كلِّ شارعٍ وزُقاقٍ ودار هنا يضحكُ النَّهار ويلعبُ الصغار مع أَشرعةِ ...
-
الساق الثانية بدأ الملل يدب إليه ، وحالة التذمر صفة ملازمة له ، جلس على حافة المقعد ووضع تقارير المختبر وصور الأشعة فوق رجله التي بدأت تهتز ...
-
البعد الثقافي بين القارئ والنص ........................* الثقافة جينات والفكر ينتمي الى سياقات. وأن الفجوة الدلالية بين المتلقي الذي لايستور...
-
لاادري سر وقوة هذا الحب الذي يتولاني... شغف رهيب. .شوق عاتي... رغبةٌ جارفة.. ولهٌ وهيام... وأشياء وأشياء...وأشياء... في ذلك القلب الأنيق ا...
-
قراءة متواضعة ل " كل ما اذكره ''//للشاعرة الأديبة ندى محمد ابو شاويش من فلسطين قراءة :سي مختار حمري من المغرب 1--العنوان :...
مجلة نوافير /قــسم الأرشيف
-
◄
2023
(607)
- نوفمبر 2023 (2)
- أكتوبر 2023 (26)
- سبتمبر 2023 (53)
- أغسطس 2023 (114)
- يوليو 2023 (107)
- يونيو 2023 (73)
- مايو 2023 (62)
- أبريل 2023 (36)
- مارس 2023 (56)
- فبراير 2023 (54)
- يناير 2023 (24)
-
◄
2022
(216)
- ديسمبر 2022 (25)
- نوفمبر 2022 (14)
- أكتوبر 2022 (18)
- سبتمبر 2022 (50)
- أغسطس 2022 (13)
- يوليو 2022 (13)
- يونيو 2022 (14)
- مايو 2022 (19)
- أبريل 2022 (7)
- مارس 2022 (2)
- فبراير 2022 (27)
- يناير 2022 (14)
-
◄
2021
(712)
- ديسمبر 2021 (28)
- نوفمبر 2021 (17)
- أكتوبر 2021 (14)
- سبتمبر 2021 (11)
- أغسطس 2021 (21)
- يوليو 2021 (71)
- يونيو 2021 (56)
- مايو 2021 (59)
- أبريل 2021 (104)
- مارس 2021 (69)
- فبراير 2021 (108)
- يناير 2021 (154)
-
◄
2020
(190)
- ديسمبر 2020 (108)
- نوفمبر 2020 (61)
- أكتوبر 2020 (21)
-
◄
2019
(31)
- يناير 2019 (31)
-
▼
2018
(1010)
- ديسمبر 2018 (64)
- نوفمبر 2018 (109)
- أكتوبر 2018 (125)
- سبتمبر 2018 (68)
- أغسطس 2018 (21)
- يوليو 2018 (73)
- يونيو 2018 (68)
- مايو 2018 (98)
- أبريل 2018 (146)
- مارس 2018 (124)
- فبراير 2018 (108)
- يناير 2018 (6)
-
◄
2017
(785)
- ديسمبر 2017 (97)
- نوفمبر 2017 (5)
- أكتوبر 2017 (93)
- سبتمبر 2017 (79)
- أغسطس 2017 (173)
- يوليو 2017 (142)
- يونيو 2017 (140)
- مايو 2017 (56)
اخر المشاركات على موقعنا
بحث هذه المدونة الإلكترونية
مجلة نوافير للثقافة والآداب 📰 صاحب الإمتياز الاستاذ الشاعر والكاتب الأديب علاء الدين الحمداني شاعر وأديب / عضو اتحاد الصحفيين/ عضو وكالة انباء ابابيل الدولية/نائب الرئيس التنفيذي لمؤسسة قلم
أحدث التعليقات
Translate
من نحن
نـــوافــير للآداب والثــقافة ... مجلة عراقية عربية 📰 رئيس مجلس الأدارة الاستاذ الشاعر علاء الدين الحمداني
جميع الحقوق محفوظة لدى مجلة نوافير الإليكترونية ©2018
تنوية
المواضيع والتعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة المـجلة ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق